مجموعة مؤلفين
101
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
وهو يحاول الوصول إلى الصفات الإلهية في مجرداتها وفي مجسداتها ، فلا الأولى ثبتت أمام البصر لنورانيتها ، ولا الثانية احتفظت بسرها الروحاني أمدا يمكن الرائي من رؤيته . - 5 - [ قلنا إن مدار الرمز كله في ديوان ترجمان الأشواق ، هو الأسماء الإلهية . . . ] قلنا إن مدار الرمز كله في ديوان ترجمان الأشواق ، هو الأسماء الإلهية ، أو الصفات الإلهية ، أو الحقائق الإلهية ، أو الحكمة الإلهية ، أو الواردات الإلهية ، أو واردات التقديس ، إلى آخر هذه الأسماء الوصفية التي أطلقها عليها ابن عربى خلال شرحه ؛ قد لجأ الشاعر إلى تجسيد هذه المعاني في صور حسية ، والأغلب أن تكون هذه الصور الرامزة صورا لحسان فاتنات يتصفن بكذا وكيت من ضروب الجمال ؛ والصوفي الشاعر من هؤلاء الحسان بين لقاء وفراق ، فما يكاد يحصل عليها في قلبه حتى ترحل عنه ، فيعدو وراءها بخياله حينا ، ويظل يتذكر ما كان له منها وقت لقائها حينا آخر . فكلما طالعت قصيدة من قصائده ، كان لك أن تصرف المعنى على حبيبته « النظام » ابنة شيخه في مكة ، التي فارقها بعد لقاء ، فأخذ منه الشوق إليها مأخذه ، وراح يتذكر ما وجده من نعيم وهو قريب من حضرتها ؛ كما كان لك كذلك أن تصرف المعنى على أن الحبيبة ( أو الأحبة ) في القصيدة إنما تشير إلى الأسماء والصفات الإلهية . على أننا نجد تفاوتا في القصائد ، فمنها ما هو أقرب إلى المعنى الأول ، ومنها ما هو أقرب إلى المعنى الثاني ، ومنها ما يكاد يتساوى فيه المعنيان ، وسنضرب مثلا لكل من هذه الحالات الثلاث . ( ا ) تقول قصيدة « لا عزاء ولا صبر » ( ص 30 - 31 ) : تركني الأحبة ، فبان الصبر والعزاء ، لكن الأحبة وإن تركوني بأجسامهم ، فهم في سويداء القلب سكان ؛ وقد سألت العارفين : اين ذهب بهم الركب ؟ فقيل لي إن الركب في مكان عطر برائحة الشيح والبان ، فطلبت من الريح